ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

41

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وأما الاستثناء فجار هذا المجرى ، نحو قولك : ما قام إلا زيدا أحد ، أو ما قام أحد إلا زيدا ، والكلام على ذلك كالكلام على ما سبق . وأما القسم الثاني فهو أن يقدم ما الأولى به التأخير لأن المعنى يختل بذلك ويضطرب ، وهذا هو المعاظلة المعنوية ، وقد قدمنا القول في المقالة الأولى المختصة بالصناعة اللفظية بأن المعاظلة تنقسم قسمين : أحدهما لفظي ، والآخر معنوي ، أما اللفظي فذكرناه في بابه ، وأما المعنوي فهذا بابه وموضعه ، وهو كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف ، وتقديم الصلة على الموصول ، وغير ذلك مما يرد بيانه . فمن هذا القسم قول بعضهم : فقد والشك بين لي عناء * بوشك فراقهم صرد يصيح فإنه قدم قوله « بوشك فراقهم » وهو معمول « يصيح » و « يصيح » صفة لصرد على صرد ، وذلك قبيح ؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال : هذا من موضع كذا رجل ورد اليوم ، وإنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل ؛ فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها فكذلك لا يجوز تقديم ما اتصل بها على موصوفها . ومن هذا النحول قول الآخر : فأصبحت بعد خطّ بهجتها * كأنّ قفرا رسومها قلما فإنه قدم خبر كأنّ عليها وهو قوله « خطّ » ؛ وهذا وأمثاله مما لا يجوز قياس عليه ، والأصل في هذا البيت : فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خطّ رسومها ، إلا أنه على تلك الحالة الأولى في الشعر مختل مضطرب . والمعاظلة في هذا الباب تتفاوت درجاتها في القبح ، وهذا البيت المشار إليه من أقبحها ؛ لأن معانيه قد تداخلت وركب بعضها بعضا . ومما جري هذا المجرى قول الفرزدق : إلى ملك ما أمّه من محارب * أبوه ولا كانت كليب تصاهره